عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

347

اللباب في علوم الكتاب

فأما القول بأنه - تعالى - تجوز رؤيته ، مع أنه لا يراه أحد من المؤمنين ، فهذا قول لم يقل به أحد من الأمّة ، فكان باطلا « 1 » . الثاني : أن نقول : المراد ب « الأبصار » في قوله : « لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ » ليس هو نفس الإبصار ، فإن البصر لا يدرك شيئا البتة في موضع من المواضع ، بل المدرك هو المبصر ، فوجب القطع بأن المراد من قوله : « لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ » هو إدراك المبصرين ، ومعتزلة « 2 » البصرة يوافقون بناء على أنه - تعالى - يبصر الأشياء ، فكان تعالى من جملة المبصرين ، فقوله تعالى : وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ يقتضي كونه تعالى مبصرا لنفسه ومن قال : إن المؤمنين يرونه يوم القيامة ، فدلّت الآية الكريمة على أنه جائز الرؤية ، وعلى أنّ المؤمنين يرونه يوم القيامة ، وإذا اختصرنا هذا الاستدلال قلنا قوله تعالى : وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ المراد منه إنما نفس البصر ، أو المبصر على التقديرين يلزم كونه - تعالى - مبصرا لإبصار نفسه ، أو كونه مبصرا لذات نفسه ، وإذا ثبت هذا وجب أن يراه [ المؤمنون ] « 3 » يوم القيامة ضرورة أنه لا قائل بالفرق « 4 » . الثالث : أن لفظ « الأبصار » صيغة جمع دخل عليها الألف واللام ، فهي تفيد الاستغراق في قوله : تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ . [ فإذا كان كذلك كان قوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ « 5 » يفيد أنه لا تراه جميع الأبصار ، فهذا يفيد سلب العموم ، ولا يفيد عموم السّلب ، وإذا عرف هذا فنقول : تخصيص هذا السّلب بالمجموع يدلّ على ثبوت الحكم في بعض أفراد المجموع ؛ ألا ترى أن الرّجل إذا قال : إن زيدا ما ضربه كل الناس فإنه يفيد أنه ضربه بعضهم ، وإذا قيل : إن محمدا صلى اللّه عليه وسلم ما آمن به كل الناس أفاد أنه آمن به بعض الناس ، فكذلك قوله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ معناه أنه : لا تدركه كل الأبصار ، فوجب أن يفيد أنه تدركه بعض الأبصار أقصى ما في الباب أن يقال : هذا تمسّك بدليل الخطاب ، فنقول : هب أنه كذلك إلّا إنه دليل صحيح ؛ لأن بتقدير ألّا يحصل الإدراك لأحد البتّة كان تخصيص هذا السّلب بالمجموع من حيث هو مجموع عبثا ، وصون كلام اللّه - تعالى - عن العبث واجب . الرابع : نقل أن ضرار بن عمرو الكوفيّ كان يقول : إن اللّه - تعالى - لا يرى بالعين ، وإنما يرى بحاسّة سادسة يخلقها يوم القيامة واحتج بهذه الآية الكريمة ، فقال : دلّت [ هذه ] الآية الكريمة على تخصيص نفي إدراك اللّه - تبارك وتعالى - بالبصر ، وتخصيص الحكم بالشيء يدلّ على أن الحال في غيره بخلافه ، فوجب أن يكون إدراك اللّه - تبارك وتعالى - بغير البصر جائزا في الجملة ، ولما ثبت أن سائر الحواسّ الموجودة

--> ( 1 ) ينظر : الرازي 13 / 102 . ( 2 ) ينظر : الرازي 13 / 103 . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) ينظر : الرازي 13 / 103 . ( 5 ) سقط في ب .